ابن الجوزي
234
صيد الخاطر
وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلم إذا أراد سفرا ورّى بغيره . فان قال قائل : انما أحدّث . قيل له وكل حديث جاوز الاثنين شائع ، وربما لم يكتم صديقك . كم قد سمعنا من يحدثه الملوك بالقبض على صاحب « 1 » فنم الحديث إلى الصاحب وهرب ففات السلطان مراده . وانما الرجل الحازم الذي لا يتعداه سره ولا يفشيه إلى أحد . ومن العجز إفشاء السر إلى الولد والزوجة ، والمال من جملة السر ، فاطلاعهم عليه - ان كان كثيرا فربما تمنوا هلاك المورث ، وان كان قليلا تبرموا بوجوده ، وربما طلبوا من الكثير على مقدار كثرته فأتلفته النفقات . وستر المصائب من جملة كتمان السر ، لأن اظهارها يسر الشامت ويؤلم المحب . وكذلك ينبغي ان يكتم مقدار السن ، لأنه ان كان كبيرا استهرموه وان كان صغيرا احتقروه « 2 » . ومما قد انهال فيه كثير من المفرطين انهم يذكرون بين أصدقائهم أميرا أو سلطانا فيقولون فيه فيبلغ ذلك إليه فيكون سبب الهلاك . وربما رأى الرجل من صديقه اخلاصا وافيا فأشاع سره . وقد قيل : احذر عدوك مرة * واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديق * فكان أدرى بالمضرة ورب مفش سرّه إلى زوجة أو صديق فيصير بذلك رهينا عنده ولا يتجاسر أن يطلق الزوجة ، ولا أن يهجر الصديق ، مخافة أن يظهر سره القبيح . فالحازم من عامل الناس بالظاهر ، فلا يضيق صدره بسرّه . فان فارقته امرأة أو صديق أو خادم لم يقدر أحد منهم أن يقول فيه ما يكره . ومن أعظم الأسرار الخلوات ، فليحذر الحازم فيها من الانبساط بمرأى من مخلوق . ومن خلق له عقل ثاقب دله على الصواب قبل الوصايا . 186 - طريقة الحفظ ما رأيت أصعب على النفس من الحفظ للعلم والتكرار ، وخصوصا تكرار ما ليس لها في نفس تكراره وحفظه حظ ، مثل مسائل الفقه ، بخلاف الشعر والسجع ،
--> ( 1 ) تطلق كلمة الصاحب على العامل والوزير ومنه الصاحب بن عباد ، وكتاب الصحابة لابن المقفع - وهي اليوم في الهند كلمة تعظيم ك « السيد » وربما اختصروها بلسانهم فقالوا : صب . ( 2 ) ومن أقوالهم : اكتم ذهبك وذهابك ومذهبك .